gototopgototop
قال المصلح مارتن لوثر، "الألم ليس أمرًا نختاره أو نستطيع أن نتحكّم به. فالإنسان الذي يصاب بالألم، يجب أن يسعى للتخلّص منه بكل الوسائل المتاحة، من طبابة وعلاجات وأدوية. فلوثر يدعو المتألم الى قبول آلامه، عندما لا يكون هناك أي خيار آخر، إلاّ شرب هذه الكأس المرّة. لكن لوثر يحذّر المسيحيين من السعي نحو الألم من تلقاء أنفسهم، أو تسبيب الألم لأنفسهم، عن سابق تصوّر وتصميم. كما أنه يحذر من استخدام المتألم لعبارات غير لاهوتية، وكأن الله يدعوه للألم، أو يعاقبه بالألم على خطية ارتكبها، كقوله، "الله يعاقبني" أو "الله يدعوني للألم". فهذه المواقف والعبارات، يقول لوثر، تشوّه لاهوت الصليب. لكن إذا كان لا بد من الألم، أي عندما يصاب المتألم بالألم، ويقوم بكل ما في وسعه للتخلص منه ولا يتمكن من ذلك. يجب عليه ألاّ يصرّ على التخلّص من آلامه، بل أن يبقى في حالة شكر دائم، لأن الله قد أزال خطاياه الداخلية.
لوثر يدعو المسيحي المتألّم، ألا يركز تفكيره بشكل متواصل على آلامه. ويغلق نفسه طويلاً في سجن آلامه، لأن هذا سوف يجعل آلامه أكثر سوءًا ووطأة. ان نصيحة لوثر، هي أن يتخذ المسيحي المتألّم، الموقف التالي: "أنا لم أختر هذا الألم. ولم أسعى لهذا الصليب. لهذا، سوف أترك الأمر بين يدي الله، كيما يهتّم به ويصارعه. لأن الله الذي عرف مسبقًا أني سأمر في هذه المرحلة الأليمة، قد وعدني بمعونة الهية". هذا هو الموقف المسيحي، في التجاوب مع الألم.
وعندما طرح على لوثر سؤال، "كيف يمكن لنفس الإله المحب والصالح، أن يسمح بهذه الآلام الكثيرة لأولاده؟" أجاب لوثر، "الله لا يرغب أن يرى أولاده تتألّم. فهذه الرغبة هي رغبة إبليس. فإبليس لا يرغب بالصلاح والصحة لأحد... ولكن فقط بفضل نعمة الله ومرافقته معنا، نستطيع أن نتخلّص من هجمات ابليس. فإبليس دائمًا يتآمر ضد الإنسان المؤمن، ويخطّط لآلام وأمراض كافية أن تقضي عليه". يضيف لوثر، يجب على المسيحي المتألّم ألا يعتمد على مشاعره وأفكاره المضطربة، بل يجب أن يفكّر بأنه ليس وحده يتألّم، بل هناك كثيرون آخرون غيره يتألمون. ويضيف لوثر، "إن الله قد يسمح بحدوث ألام غريبة عن صفاته، لأنها قد تثمر مواقف، تصب في نفس معنى صفاته... الله يسمح بالألم لأولاده، كيما يعلّمهم أن يعتمدوا على قوّة كلمته، ويبقوا مستعدين في إيمانهم، ولا يعيشوا إيمانهم بكسل وإهمال.
يعتقد لوثر، أنه يجب على المسيحي أن ينظر الى ألامه نظرة احتقار. إلاّ أنه يقرّ أيضا، بأن الوصول الى هذه النظرة، تتطلب جهودًا كبيرة من المتألّم، الذي ينتظر نهاية ألامه. كما يقول، "من الممكن آلا تنتهي آلامنا. لهذا علينا، أن نتذكّر بأننا نعيش على الأرض لفترة قصيرة، لكننا سنعيش مع الله، في ملكوته السماوي الى الأبد".
وعلى سؤال، كيف يجب على المسيحي أن يتجاوب مع الألم؟ يجيب لوثر، يجب أن يتجاوب بالشكر. لم يقلّل لوثر، من قوة تأثير الألم المدمر، في حياة المسيحي المتألّم. لكنه حاول تحويل آلامه، الى شكل آخر له إفادة روحية، فيتحمّله برضى. فالألم، ليس أمرًا نتمتع به أو نسعى لأجله، لكنه وسيلة قاسية، كيما نتشكّل على صورة المسيح. وهكذا، لم يجد لوثر في سماح الله بالألم اشارة سلبية، لكنه رأى في ذلك، اهتمام الله بنمو المؤمن في حياته الروحية. بالرغم من صعوبة وقساوة الألم، رأى لوثر في الألم، فرصة افتقاد الله، لإيمان المسيحي. لهذا، دعا لوثر المسيحي المتألم، الى أن يشكر الله لافتقاده له، وسط آلامه.
يدعو لوثر المتألم المسيحي للتحلّي بصفتين رئيسيتين، هما: الصبر والرجاء.
بالنسبة لفضيلة الصبر، يقول لوثر، "من الأمور التي تسببها الأمراض والآلام، هو تقليل اهتمامات المريض بالأمور الأرضية ليوجّه اهتماماته نحو الحياة الأبدية". لهذا، يدعو لوثر المتألمين الى التحلي بالصبر، كموقف مسيحي. قال لوثر، "لن يوجد الصبر عند الناس الذين يعيشون، في حالة من الراحة والرخاء. فالصبر الحقيقي يمتحن في حالات الألم والتجارب". يدعو لوثر المتألمين، الى أن يكون لديهم نظرة أوسع الى الحياة، والتي تشمل تحويل أعينهم: مما هو مرأي في هذا العالم الساقط، الى ما هو غير مرأي، والى تحمّل الصعوبات والتمسك بثبات بكلمة الله.
أما بالنسبة لفضيلة الرجاء. يقول لوثر، "فضيلة الرجاء، تنبع من فضيلة الصبر. ويمكن أن يطلق على الصبر، تسمية "الرجاء الروحي". فإذا ما استطاع الإنسان المتألّم، أن يصبر تحت وطأة آلامه، فإنه سيجد الرجاء. فالصبر والرجاء يرتبطان ببعضهما ارتباطًا وثيقًا. أن يعيش الإنسان في رجاء، يعني آلا يعتمد على أعماله واستحقاقاته وقدراته الشخصية. قال لوثر، "كما أنه لا يمكن أن يوجد الصبر، في حالات الراحة والرخاء، وإلاّ لن يعتبر صبرًا، هكذا أيضًا الرجاء. فالرجاء الذي يستند على أعمال واستحقاقات الانسان ليس رجاء". ينظر لوثر بشكل واقعي، الى كيفية تفاعل المتألمين مع الرجا، فيقول، "من الممكن آلا يشعر المتألّم، الذي يعيش تحت وطأة آلام وأوجاع كثيرة، بالرجاء. وإنما يشعر بهذا الرجاء المخبّأ، بعد عبور فترة الألم". فالتعزية الأرضية، تصرّ على رؤية المؤمن، لأوضاعه الصحية تتغيّر، ومشاعره تتبدّل، في حياته على الأرض. لكن، لا يستطيع المسيحي المتألم، لا أن يرى الرجاء، ولا أن يشعر به في وطأة آلامه. فالتعزية الإلهية، تأتي من القراءة، والتأمّل في كلمة الله.
يتوقف لوثر عند الضعف البشري امام الألم، ويقول، "نحن بشر ولسنا آلهة. يجب أن يكون لدينا ثقة في مواعيد الله والخلاص الأبدي. لأنه ليس لنا أي بديل آخر". ثم يقتبس لوثر قول الرسول بولس لأعضاء كنيسة روميه: "فاني أحسب أن آلام الزمان الحاضر، لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا" (رومية8: 28). وهكذا، يشجّع المتألمين، كي لا يتوقفوا كثيرًا عند حالة آلام الزمان الحاضر التي يعيشونها، بل يتوقفوا عند حالة المجد الأبدية التي لا تُقاس بآلام الزمان الحاضر، لأنه هناك حالة مجد عتيدة أن تستعلن في الحياة الأبدية.